Saturday, 18 September 2010

أنت كويس...4


الحياة الدنيا والحياة الأخرى والحياة الثقافية. أسمع المصطلح الأخير منذ عام 2005 ، عندما كنت أذهب للندوات بحكم عملي محررة في موقع إلكتروني. كنت غرة ساذجة اتصور أن النقد عملوه بالأساس عشان تستمع أكثر بالعمل الأدبي. لكن الحياة بتعلم. في بعض الأحيان، كان يحدث الآتي: ادخل الغرفة، اجلس على الكرسي بوجه باش (وليه لأ؟) يتحول مع العشر دقائق الأولى إلى وجه فتاة يسير نمل على ساقيها. الناقد الذي يتحدث الفصحى يبدأ باستعراض تاريخ النقد، يلقي الضوء على التفكيكية ومابعد التفكيكية والحداثية وما بعد الحداتية، يرفع ساعده ويخفضه، يميل بصدره إلى الأمام ، يتكلم عن رؤى الكاتب وإرهاصاته. يفكك النص، يبدي ملامح الإعجاب، يصمت لحظة تتبعها لكن لكن... الكاتب بدا شوفينيا في عالمه ولم يتشابك مع الواقع، مما يجعل النص حركة جذر مدي (مع لمحة تأفف على الوجه). بعدها يدعو الناقد الأول الناقد الثاني للكلام، الذي يثني بدوره على كلام أستاذنا ، الناقد الأول، يقول إن الكاتب استطاع أن يمسك بتلابيب النص، ويرى إنه على العكس، على العكس، فالنص وإن كان لا يتشابك مع الواقع فهو يتماس معه ، وهو ما يجعل حركة السرد فيه أقرب إلى المد الجذري، منه إلى الجذر المدي (مع نظرة ساهمة تدعوك إلى التفكير فيما يقول).

بعدها يجتمع الناقد الأول، أستاذنا ، والناقد الثاني أن الكاتب بلا أدنى شك لبنة هامة وحجر زاوية. أقضي تلك السويعات القليلة في تأمل الأسقف والحوائط و إزاحة دخان السجائر و كتابة ما تيسر. لاحظت في تلك الندوات أن مصطلحين يتكرران؛ فالكاتب الحداثي كويس، لكن ما بعد الحداثي شيئ آخر، شديد المراس، عميق، تتداخل الرؤى في نصه، ببساطة شديدة (وببساطة أكثر) هو يقف في مرحلة فاصلة ما بين المد الجذري والجذر المدي، ويبدو مهموما بالسرد أكثر من السرد ذاته، ينأى عن المفهوم الكلاسّي (مع خبطة على الطاولة) تجاه أطروحات ما بعد حداثية.

كنت أجلس في الغرفة مع سبع عشرة آخرين من بلدان مختلفة؛ رائحة القهوة تتسيد المشهد. تصب قطرات القهوة في الدورق؛ على السطح المعدني دورق آخر به ماء. كنت مأخوذة بأني سافهم شيئا كان أشبه بلغز في ما مضي و نزول قطرات القهوة في الدورق بدا شيئا يصعب عليّ وصفه. شيئ ملهم. الفراشات كانت تدور حول خلجات نفسي، تمسك بها، ترفعها إلى أعلى، الهواء البارد خلف ظهري صار بساطا، كنت ارتدي فستانا، يكشف عن ساقي، بالأسفل كانت هناك فتاة تشبهني، تتطلع إليّ، في ذات الوقت الذي جلس فيه الدكتور "بايرز" على الطاولة، فتحت الكشكول، أزاحت "فيرونيكا" الأكلسير إلى جانبها، لتتيح لي مساحة أكبر للكتابة، أعجبتني الحركة، أشياء صغيرة قد تصنع فارفا في لحظة ما، إيمائة من شخص لا يعرف عنك الكثير قد تصبح إشارة سماوية، يد تطبطب عليك. تقول لك إنت كويس.

يقول دكتور "بايرز" إن الانتقال من مكان إلى آخر سمة "ما بعد الحداثة"، أشار إلى خريطة الولايات المتحدة ، أنا مثلا نشأت في ولاية، تعلمت في ولاية ، واعمل الآن في ولاية. فيما بعد، سأقف على تل، ادير ظهري لجدول ماء في الصحراء؛ تحت الأرض، ستتسع الممرات، وتضيق، أشعر بالشجن عند انتهائها. أنا أعيش في القاهرة وأعمل في الفيوم، ولا أحد يعرف موقف الفيوم إلا من جربه؛ ورحت تركيا، وحدي، وركبت ثلاث طائرات حتى آتي إلى هنا. أنا كمان بوست موديرنيست. أبعدت الكشكول عن "فيرونيكا". آل جهاز القهوة إلى الصمت.

2 comments:

saadebaid said...

الفراشات كانت تدور حول خلجات نفسي، تمسك بها، ترفعها إلى أعلى،
ثم اتمدد علي الهواء لاريح نفسي وتنطلق روحي مع الفراشات
اتقمص روح فتاة صغيرة تتعلق اعينها بجمال فتاة كبيرة لاستمع الي روحها تقارن بين فذلكة الامس و رضا اليوم
حلوة الصراحة والتلقائية ان تشعر بالنمل علي ساقك و انت تستمع الي المتفذلكين هو احلي وصف سمعته
دمتي مبدعة

Shaimaa Zaher said...

شكرا جزيلا

التقمص شديد البراعة

دمت بخير

:)

يتم تحديث المدونة أسبوعيا...تابعونا :)