Friday, 10 September 2010

3...يا جماعة أنا إنسان بسيط


بين مصر وأمريكا أميال: فارق اللغة والناس والشوارع وإشارات المرور. فارق اللغة كان مربكا في البداية، غيامة في يوم كنت أنوي الخروج فيه، سحابة على عيني في الصباح، شخص يمر وأنا أشاهد التليفزيون، وبداية يا جماعة أنا شخص بسيط، تعودت على أن أستمع لأسئلة واضحة، السؤال عادة يبدأ بأداة استفهام، وبه نبرة تحل مكان علامة الاستفهام، تصاحبها ملامح تتطلع إليك في إنتظار الإجابة. اختصرت المضيفة السؤال في كلمة واحدة أصلها من مقطعين "بي ناتس"، قلت"عفوا؟" أول استفتاح مع شخص يتحدث الإنجليزية في بلده الأم يمر بصعوبة، كيف يمكني أن أقدم نفسي للطلبة بعد ذلك على إني مدرسة للغة الإنجليزية، حملت الكيس في يدي، جاءني الإلهام على وجه طفل يبكي في المقعد المجاور، في مصر الطيران لا يوزعون فول سوداني ، لا اذكر إنهم وزعوا فول سوداني عندما سافرت مع أخي إلى "الغردقة" و"شرم الشيخ"، اختلاف ثقافات ، فتحت الكيس، تابعت السيدة تسأل نفس السؤال للمقعد التالي.

السمع. طبلة الأذن تلتقط الموجات الصوتية، ترسل إشارات إلى المخ ، تتحول إلى صوت، والصوت إلى معنى، شيء مدهش، منحة آلهية، أدركت قيمتها منذ يومي الأول، شيء ما ينكسر في تلك الحلقة، تسقط بعض الكلمات مثل كرات "بنج بونج" لا تكمل وجهتها، أسمع ضجيجها في رأسي، في مصر الموجات عالية يسهل تفسيرها، أصوات رفيعة و غليظة تصبح خناقة بين رجل وامرأه في مكان عام، سرينة تعني إن صوتا سيطلب منك أن تفسح الطريق، القاهرة مدينة صوتها يدوي ويجلجل، كرة طائرة في الهواء، يجري اللاعب منهم ، يضبط توازن جسده ، يدفع الكرة بقدمه، تلمحها، تجري وراءها، تدفع جسدك في الهواء، تلقيها برأسك على الأرض، ترقص الخِصم، تدفع الكرة من جديد. كرة القدم لعبة بطيئة مقارنة بلعبة مثل "البنج بونج"، الإستجابة فيها سريعة لدرجة تدعو إلى الملل.

توجهت إلى صالة "الجيم"، قالت لي أمي ذات مرة أن عليّ أن أسير ببطيء حتى لا تهتز مؤخرتي؛ بعدها قررت الذهاب إلى حصة الرياضة، مرة واحدة في الأسبوع لا تكفي. لكنها كانت تكفي من ناحية آخرى، اصطدام قدماي بالحديد على المشاية لبعض الوقت يجعل لي القدرة على التحليق، تتحرك عضلات جسدي كما تشاء، تدريجيا انقسم إلى شرائح كما لو كنت مجسم؛ تتكشف الشرائح الواحدة تلو الأخرى، في المركز، آراني بخار، اطير خارج المكان. والمكان يختلف هنا؛ أشجار كما في كرسات ابنة أخي ملونة بالفلوماستر، وزرار مثبت في فرع شجرة، أدوس عليه لعبور الشارع، لا إشارة بيدي لسائق ميكروباص، ولا عسكري مرور اتحامى في ظله، كلام على كبير، ادوس على الزرار، اسمع دقات خافتة كما لو أن صوت معدية قطار تم تصغيره عشرات المرات، بعدها يأتي صوت رجل يقول إن بإمكاني العبور. رأيت وأنا صغيرة، فيلم تحول أبطاله إلى أقزام، الكائنات الصغيرة في الماضي صارت تهددهم، في المشهد الأخير يفيقون من الحلم، هاها، اشتغالة. لكن والله أنا أعيد النظر في رأيي الآن ، نمت وصحوت ست عشرة ساعة ، لأجد نفسي في مكان غير مكان، ويا جماعة (معلش تاني) أنا شخص بسيط، تعود أن يجري أحيانا وهو يعبر الشارع، يقف طويلا أحيانا، تروح روحه وتجيئ أحيانا بينما الميكروباص يسرع نحوه في عرض الشارع؛ أما الكف الأحمر الذي يظهر لي في الإشارة ضوئية، فكنت أراه أشبه بعلامة عند الصوفية، رمز في رواية من روايات "دان براون"، وحنروح بعيد عليه؟ إيشارب في فيديو كليب تسعيني، يطير على أجساد فتيات ببشرة "أوكسديه".

الشعور بـأن للشجر و السحاب عيون وأنف و مركز إحساس ظل يلازمني حتى عدت إلى "كورس هول" ، تركت تلك الخيالات وأنا أمرر المفتاح الإلكتروني على الجهاز، دخلت غرفتي ، تأملت الأشياء الصامتة حولي، التليفون وجهاز القهوة، اشعلت التكييف ، فتحت الأكالسير الموضوع على المكتب؛ كنت استعد لفهم شيء آخر حيرني طويلا.

4 comments:

saadebaid said...

آراني بخار، اطير خارج المكان
أنا أنسان بسيط
روح محلقة يرتبك جناحيها احيانا فتشتاق للارض و لكنها تظل محلقة و ترفرف لتنطلق
ربنا يوفقك

هبة المنصورى said...

عجباني أوي فقرة الأصوات
أنا مش عارفه ليه بقالي فترة باتعصب من أقل دوشه
احنا فعلاً هستيريين في نبرة صوتنا وزعيقنا ورنات موبايلاتنا وكلاكساتنا وفرحنا وحزننا كمان

وكانت خالتي كل ماتيجي أجازه من كندا تبقى مستغربه وتسألنا: انتو بتزعأوا ليه؟ واحنا نكون بنتكلم عادي جداً

Shaimaa Zaher said...

سعد عبيد: شكرا جزيلا
أعجبني تعليقك جدا
لأنه أقرب أن يكون جزء من النص
تحياتي

Shaimaa Zaher said...

هبه المنصوري:

الأصوات في القاهرة كتيرة أوي، سمفونية
:)

عشان كده المدن الجديدة فكرة لا بأس بيها
متهيألي
أما موضوع إن حد يتعصب من أقل دوشة فده
معناه إن فيه أمل
-------
حابة كمان اقولك كل سنة وإنتي طيبة
وكل الأسرة

يتم تحديث المدونة أسبوعيا...تابعونا :)