Saturday, 4 September 2010

لويفل ...2


وصلت إلى مطار "نيويورك" في السادسة والنصف بعد إحدى عشرة ساعة، قضيتها بين سماع الأغاني و قراءة مقالات علينا قراءتها. بين الصحو والنوم كنت افتح شباك الطائرة فلا أرى سوى الظلام؛ على أرض مطار "نيويوك"، تصورت مصر الكرة الأرضية التي أراها صغيرة و أنا سابحة في الطريق اللبني. ربما لهذا السبب، لم اشارك الواقفين في الطابور المؤدي إلى باب الطائرة، في حالتي تلك، بدا الزحام للنزول مبكرا شيئا تافها، لا داعي له. ادركت سخف ما فعلته، في منطقة "الجوازات"، الساعة تشير إلى السابعة إلا الربع، أقف في نهاية الصف؛ الطائرة التالية في التاسعة. الطابور يتحرك ببطئ ، وإن استمر الحال على هذا النحو، فلن انتهي من الإجراءات قبل ساعة، قررت أن أقف عشرة دقائق أخرى، أخرجت نسخة من التذكرة، في استعداد أن أخاطب الشرطية التي تقف عن بعد، لو كنت في مصر، لساعدني الواقفين للوصول إليها، ولتم استثنائي منه، جلست الفتاة التي تقف في الطابور التالي على الأرض، أخرجت الـ"إم بي ثري" من حقيبتها، وضعت السماعات في أذنها في استرخاء، كان في رأسي بعض التصورات، خمس دقائق أخرى، وساخترق جموع الواقفين ، اعرف أنه لن يكون فأل حسن أن أستقبل الولايات المتحدة بالبكاء أمام الشعوب التي تقف أمامي الآن، لكن للضرورة أحكام.


شعرت بالارتياح لأن الشرطية كانت أفرو أمريكان؛ فكرت أن التفاهم معها سيكون أسهل بعد خمس دقائق من الآن. كنت ممتنة للفتاة "الأفرو أمريكان" التي اجرت معي "الأنترفيو" في السفارة الأمريكية؛ والواحد أحيانا يحب طائفة بأكملها أو يكرهها بسبب صدفة أو حادثة؛ الأهم من ذلك إنها ذكرتني بالناس في مصر، كإني اقف في الأقصر مثلا، وهؤلاء سواح ينتظرون دخولهم إلى "الكرنك".يبدو أن الأرض ستكون حاضرة أينما ذهبت؛ ولا راد لقضاء الله.



مرت عدة دقائق.أزاحت السيدة الشريط الأسود هذه المرة لكي تطلب من مجموعة من الأشخاص التوجة إلى كبائن أخرى، تبدد الواقفون على دفعات كما لو كنت في فيلم كرتون، الساحر أخذهم إلى مكان ما، في الخلفية تلتمع النجوم ، شرائح من الأزرق و الأخضر والأسود تظهر وتختفي، وقفت أمام جهاز البصمات، رأيته في المرة الأولى في السفارة الأمريكية وقت مقابلة "الفيزا"؛ البصمات بالنسبة لي تعني رجل يجلس على مكتب، يضغط على أصبعي أول ما يلمس الحبارة، يحدث ذلك عادة في مناسبات يحدوها التفائل؛ عندما استخرجت فيش وتشبيه وقت التعيين في الجامعة أو عند استفتاء تعديل الدستور قبل أعوام. دخلت شيء ما يشبه الكابينة عليها "ستارة سوداء" ، كانت المرة الأولى التي اشارك فيها في استفتاء، في ذلك الوقت، كانت الأغاني الوطنية تذاع على القنوات المحلية بمعدل مرة كل ربع ساعة، جميلة تلك الأغاني، بالأخص أغنية مي سليم، التي تنادي فيها على "جرجس" و"محمد"، كانت تضرب حسي الوطني في الصميم، ترفعني فوق فوق، كان من الممكن وقتها أن تغرورق عيني بالدموع لأقل سبب، مددت يدي بالورقة للرجل في اعتزاز، قابلني بنظرة ملولة، كإنه يراقب الطلاب في الامتحان وأنا الطالبة الوحيدة التي لم تخرج من اللجنة.وضعت أربعة أصابع على لوح شفاف يميل إلى الاخضرار، طلبت مني السيدة إعادة المحاولة، في لحظات كتلك، تصبح اللغة كائنا لا فائدة منه، الملامح كذلك، لا تشي إلا بالقليل، كإني اقف أمام عربة تتوالى عليها الفرشاة من ناحينين، الألوان تكون واضحة للوهلة الأولى ، تتحول إلى اللون أبيض، أنا متأخرة على الطائرة.



وصلت إلى مطار"لويفل" في الواحدة والنصف ظهرا، صعدت بسلم كهربائي إلى مكان استلام الأمتعة، كان معي حقيبة يدي، أحذت الحقيبة الأخرى من على السير، أخذت وضع الاستعداد على السلم الكهربائي الذي يصعد بي، شاهدت الحقيبتين تمران على السنون المعدنية في أول السلم، علامة أخيرة على وصولي. وضعت الحقيبتين على الجانب، خاطبت السيدة في الاستعلامات، كانت عجوز أنيقة، أنا قادمة من مصر، (وهل بإمكاني أن أنكر مثلا) و أريد أن أكلم جامعة "لويفل" في التليفون، بدا ملامح الإندهاش على وجه السيدة، الأهرامات؟ نعم، ابتسمت، لابد أنك أخذتي طريق طويل حتى تصلي، نعم، ثلاث طائرات، كان هناك تليفونات على يساري، يعلوها لوحة إرشادات، ارتحت إنها طلبت لي الرقم، انتظرت عشر دقائق، قضيتها في قراءة رواية كانت معي، فتح الأبواب الإلكترونية استدعي لي الشعور بالخدر، كإني أجلس على حافة حمام سباحة، اطيل النظر إلى المياة الرقراقة، أسال نفسي إن كنت سأجيد العوم بعد قليل.



1 comment:

هبة المنصورى said...

أسلوبك هادي وشيق كالعادة يا شيماء

يتم تحديث المدونة أسبوعيا...تابعونا :)