Friday, 8 October 2010

الجنة الآن ...6


1

لي تصورات عن الجنة: أشجار ورافة، تلال، نوافير وجداول ماء، فاكهة تتعدد ألوانها، وصبيان تحمل كؤوسا، أحمل واحدا منها بينما أنا جالسة على جزع شجرة ، بالأسفل أرى نهر. في الطريق إلى "سانت ماثيوس" مول، يسير الباص وسط غابات. أول مرة كنا نستوق في "كروجر" قالت لي "يانا" ، زميلتي من كازخزتان، إن هنا الجنة. معها حق، على مرمي بصري، برطمانات وعلب و زجاجات، الله وحده يعلم ما بها. قلت لها إني سأذهب إلى قسم الشكولاتة، على علبة البسكوت عبارة "محشو بشكولاتة النعناع" ، بجاورها "محشو بشكولاتة الفول السوداني". الممرات هنا واسعة. بحسابات بسيطة ، مساحة "كروجر" ثلاثة أضعاف "كرفور" المعادي، و مرة ونصف ضعف "كرفور" أسكندرية الصحراوي، اليوم أخذت جولة في الجزء القديم من "لويفل"، بيوت قديمة بالطوب الأحمر كما في متحف التحرير، تراسات بأعمدة، وحشائش وأزهار أينما مددت بصري.

كنت أسير ، فوجدت مررا، دلفت منه إلى حديقة تحيط بعدد من البيوت، الفيلا التي أمامي، لها سلم من ناحيتين، تذكرني بفيلا مرسومة في لوحة في بيت عمي في "العمرانية"، الفيلا تطل على نهر، في الليل. كنت وأنا صغيرة أطيل النظر للوحة. احدق في الظلام وأمي تحكي لي عن الحكايات التي تعرفها، الشاطر الحسن وذات الرداء الأحمر، يلتمع الياقوت والمرجان في كيس كبير من "الخيش". جميل أن يسير الواحد في خط مستقيم. يأخذه الفضول ناحية ممر صغير عن يمنيه، ليجد مشهدا بديعا، افتح يا سمسم، الجنة لن تكون سهلة، ستكون ملئية بممرات ، أظل أبد الدهر اكتشفها.

مررت على "المركز الإسلامي"، في ذات الطريق، قرأت ورقة مواعيد الصلاة المعلقة على الباب، خبطت على الباب، قابلني رجل عربي لا اذكر بلده، قال إنه مدير المركز. دعاني أن آتي يوم جمعة، مع أصدقائي، ويمكني أن أتغذى معهم. أعجبتني "قباب" الكنيسة في آخر الشارع؛ قريبة الشبة بالجوامع والبيوت القديمة في مصر. ضغطت على الزر كي أعبر الشارع. كنت أعيش في مصر و الآن في أمريكا، نفس الكرة الأرضية، لكن إحداهما أشبه بحلم: أما هناك أو هنا.


2

الحفلات كانت قد بدأت في "السيمينار الروم". أمامي بيتزا و بسكوت و فطيرة التفاح و مياة غاذية ونبيذ أحمر و"بوربون كنتاكي" و"ويسكي". أحب النبيذ الأحمر. في الكوباية البلاستيك، له لون قرمزي داكن، يكون على ملابس فتيات من الكاريبي ، أو ورقة شجر، أو فستان من "القطيفة" كان لجدتي. لا عجب أن اللون "النبيتي" يأتي من "النبيذ"؛ الصحراء صفراء، والبحر أزرق والشجر أخضر، فهل استخدمت اللغة العربية أيا من تلك الأشياء لوصف للون كما فعلت مع النبيذ، بصراحة اللون يبعث على الدفئ و يستحق كل الخير، نبيتي، نبيتي على طول الخط.

كنت مع ذلك –دوما- اختار اللون الشفاف، الأقل ضررا، في المياة الغاذية. تقع عيني على الفقاعات الصغيرة التي تلتصق بالكوب، أقول لنفسي إن الانتقال من اللون الشفاف إلى اللون النبيتي ليس بالأمر هين، تغيير في الاتجاه، يستلزم حدثا خارجيا، يؤثر على الأنا الداخلية، أن تطلب منى أمي- بملامح بريئة- أن اشتري عيش من الفرن، فبدلا أن أذهب بعدها للجامعة، اروح بصحبة أبي إلى القسم لتحرير محضر عن سرقة العيش، أن أعود بعد رحلة تركيا مقبلة على الحياة، أقول لنفسي إن في مصر أماكن حلوة برضه. أقف ما يزيد على ساعة يوم الجمعة على محطة الأتوبيس ، فاقرر العودة إلى البيت بخيبة الأمل. التقط طوبة من الأرض. احملها في يدي، أقول إني سألقيها في وجه أول خفيف دم يعاكس في الشارع، فلا أسمع كلمة، ربما لأن الشباب المصري لماح، ويقدر الإنسانيات ويفهم إنه في بعض الأحيان لا مجال للاستظراف.

تحدثت إلى أخي في التليفون، سألني عن "الويسكي" وما شابة، قلت له إنه فيه كل حاجة، لكني لم أجرب شيئا منها، تبعت الجملة بقولي إنه مفروض أجرب. لم يعلق، انتهت المكالمة، تذكرت صمت أخي بعدها، لماذا صمت؟ كان بإمكانه أن يعترض..يقول أي شيء.. هل مثلا يدرك أن من أراد أن يفعل شيئا سيفعله وأن الكلام لاجدوى منه؟ هل يعتبر الأمر حرية شخصية لا شأن له بها؟ أعجبني صمته على أية حال ، سمعت الجملة التي قلتها له عشرات المرات، صمته كان يدوي في أذني كشريط فاضي يدور في "استريو كاسيت". كنت أغفو، قلت إن الديموقراطية دي حلوة، عاملة زي الدباسة بتدبس الواحد، فككت التوكة من شعري، رفعت رأسي على المخدة...أخي هو أخي... لأن أمي هي أمي... حملت كأسا من المعدن... نهر يجري من تحتي...

No comments:

يتم تحديث المدونة أسبوعيا...تابعونا :)