Tuesday, 6 December 2011

عندما حكم العرب الأندلس هل كانت الحضارة العربية علمانية؟

قصر الحمراء في الأندلس

تعرفت إلى البرنامج صدفة. شاشة صغيرة على صفحة “البي بي سي فور” على الإنترنت لها عنوان “عندما حكم المغاربة أوروبا”. لا يخفى على أحد حضارة العرب في “الأندلس”، أمَا أن يحمل الفيلم عنوانا يشير إلى “أوروبا” بأكملها، فالأمر كان بالنسبة لي يستحق المشاهدة.

الفيلم ”عندما حكم المغاربة أوروبا” للمؤرخة –”بيتني هيوز”. أذيع للمرة الأولى في قناة “البي بي سي فور” في عام 2005، ولا يزال يُعرض حتى الآن. إذا ما كتبت الأسم في جوجل، ستجد له صفحة في “الوكيبديا”، وتجد عرضا له في عدد لابأس به من المدونات التي تُكتب بالإنجليزية، وصفحة على موقع الأمازون. باختصار الفيلم الوثاقي نال اهتماما في بعض الدوائر لأنه يقدم صورة مغايرة للإسلام. كما تقول “بيتي هيوز” نفسها.. ” لم يكن هذا هو الإسلام الجامد الذي في تصور (البعض) بل كان إسلاما تقدميا يحتفي بالحياة”. يقدم الفيلم قصة صعود وهبوط الحضارة العربية ليس فقط في أسبانيا بل في أوروبا، من أين أبدأ؟

في القرن السابع الميلادي ظهر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. خلال عدة عقود أصبح للمسلمين إمبراطورية شاسعة. الحضارة قامت لأسباب:

واحد..الأمر الذي جاء لمحمد صلى الله عليه وسلم.. أقرأ. الإسلام -كدين جديد- شجع على تعليم القراءة والكتابة في الوقت الذي كانت فيه الحضارة الرومانية-بعد دخول المسيحية- تُؤثر القراءة والكتابة على النخبة. الجوامع كانت مدارس لتعليم القراءة والكتابة والنحو. على سبيل المثال، في مدرسة السلطان “أبي عنان” بالمغرب، كُتبت على الجدران الآتي: “أنا مجلس العلم. فتعالى يا مسلم. تعالى وتعلم. لأنه بالعلم تستطيع أن تكون ما تريد في المستقبل”.

اتنين، غالب الأفكار الأغريقية كانت تتلاقى في مكتبة الأسكندية. ولما فتح العرب الأسكندرية في عام 641 ميلادية أصبحت الأفكار الأغريقية طوعا لهم. لم يكن بغريب أن يقدم العرب ميراثا للحضارة -وقتها- لأنه في الوقت الذي كانت فيه الحضارة الرومانية تأخذ موقفا حذرا من الميراث الأغريقي “الوثني”؛ مثلا في عام 529 ميلادية، قام الإمبراطور “جستنيان” بإغلاق المدرسة الإغريقية للفلسفة؛ في الوقت ذاته، كان العرب ينهلون مما تركته الحضارة الأغريقية “الوثنية” من أفكار؛ عنى ذلك إنهم ترجموا فعليا كل ما كتب الأغريق وأضافوا عليه بعد ذلك.

تلاتة، العلم كان على قمة أجندة المسلمين، طور المسلمين الجبر عن الفلاسفة الأغريق؛ قصر الحمراء على سبيل المثال انتصار للمعادلات الحسابية بجانب القيمة الجمالية. في الطب، أقيمت في قرطبة عميلات جراحية لم تكن لتعرفها أوروبا سوى بعدها بمئات السنين.

أربعة، أدخل العرب الورق –المأخوذ عن الحضارة الصينية بالأساس – إلى أسبانيا؛ وكان هذا كافيا لتحويل التكوين الثقافي لأوروبا لأسباب أيضا سأذكرها فيما بعد؛ حُب قرطبة للكتب صار أسطوريا: مكتبة واحدة- ضمن سبعين مكتبة- في قرطبة شملت نصف مليون كتاب، ضمنها آخر ما توصل له العلم وقتها في أبحاث الفضاء. قرطبة كانت مدينة واحدة ضمن مدن أخرى.

خمسة، بحلول القرن العاشر الميلادي صارت قرطبة العاصمة الرسمية للأندلس، عاصمة حضارية عالمية، يقطنها ما يقرب من مئة ألف مواطن، أكبر مستوطنة في أوروبا وقتذاك. بها سبعون مكتبة وما يزيد على ثلاثمائة حانة.

في عام 912 يجيء حاكم جديد لقرطبة، عبد الرحمن الثالث، يأخذ قرطبة لمكانة حضارية أبعد. ينصب نفسه حاكما أوحد للمسلمين؛ يُحول أسبانيا من مجرد “إمارة” إلى قوة محورية في حضارات الإسلام، لتأكيد مكانته، يقيم قصرا في مدينة جديدة أسمها “الزهراء” .

ستة، يتحول بلاط مدينة الزهراء لصورة حضارية خالصة، في بلاط القصر تترد طبقات وطبقات من أنغام آلات موسيقية طورها العرب. هناك سيدات يجدن فن الحديث.. والغناء.. وتأليف الشعر وإلقائه.. “الحب هو نغمة محببة .الحر منها لا يريد أن يُعرف. والمصاب بها لا يريد أن يُشفى”؛ تلك المفاهيم عن الحب – الحب لذاته- انتقلت إلى أوروبا عن طريق المغنين الفرنسيين الرحالة أو “التروبادورز”، اللذين تأثروا بغناء السيدات في الأندلس.

سبعة، تسقط “مدينة الزهراء” لإن التجنيد لم يكن إجباريا على مواطنيها. في ذات الوقت، تقام الدعوة لحروب صليبية في الشرق، تجر معاها حروبا في الأندلس؛ تتساقط مدن الأندلس الواحدة تلو الآخرى، يُطرد الآلاف، ويبقى البعض، الحماية مقابل المال.

تمانية، مع نهاية القرون الوسطى، تشهد أوروبا ثورة فكرية يُطلق عليها فيما بعد “عصر النهضة”، من المعروف أن “عصر النهضة” يبدأ في إيطاليا بإحياء الكلاسكيات، لكنه يبدأ قبل ذلك في أسبانيا ، تحديدا في “طليلطة”.

تسعة، في عام 1085 ميلادية تسقط طليلطة ، ويُسمح -على عكس من مدن أخرى- للعرب البقاء بها، يتوافد الأوروبييون بالمئات إلى طليطلة ، يتعلمون اللغة العربية، ويقرأون كتبها، تقام ورش عمل بين مسيحين ومسلمين وويهود، بهدف ترجمة النصوص العربية إلى اللاتينية. مثلما قام العرب بترجمة النصوص الأغريقية إلى العربية قبل أربعمائة عام، يقوم الأوروبيون بنقل الفكر العربي إلى اللاتينية.

عشرة، في عام 1492، تسقط آخر الممالك العربية في أسبانيا- غرناطة، في ذات الوقت، يتستقبل ملوك أسبانيا الجدد “فيرنداد” و”إيزابيلا” ”كرستوفر كولمبوس” قبل رحلته لاكتشاف العالم الجديد.

ينتهي وجود العرب في الأندلس، ويبقى السؤال يطل بثقل على شرفات الحاضر. هل كانت حضارة الأندلس ذات نظام سياسي “علماني”؟ إذا ما قمت بتعريف “العلمانية” –كمصطلح معاصر- على إنها : واحد، احترام الحريات الشخصية وقبول الآخر سواء كان يختلف أو يتفق مع قناعاتك ، اتنين، الاهتمام بالعلم بمعناه الواسع، تلاتة، الفصل بين الدين –كطاقة روحية- والدولة –كنظام سياسي- ، فإن الأجابة ستكون نعم. الحضارة العربية كانت ذات نظام سياسي علماني، أو هكذا آراها!

نشر في البديل

Saturday, 15 October 2011

Egyptian influences ...

It was also a faith committed to the pursuit of learning...
This uninhibited attitudes to learning means that when Muslims come across the teachings of other cultures they seized upon them vigorously...
And the number of Greek ideas stem from Egyptian and Eastern influences...


Monday, 12 September 2011

Cotton 100%: مية في المية قطن

مستلقية على سريري، أمسكت بالموبايل وأنا أستمتع بإلغاء كل رسالة منه، أكتشف الآن أن غرفتي بعكس الصالة تخلو من النشع، تخيلت وجهه أمامي، فقلت في بلاهة إني حتى لا أظن أنه يرتدي قمصانًا من القطن، لفت نظري ذات مرة قميص مقلم يرتدية كانت به لمعة ما، لكن يمكنني الآن أن أقول إنه كان يخالطه شيء صناعي، النايلون ربما، أنا نفسي... كيف كنت كل هذا الوقت أشتري ملابس دون أن أنتبه لنوع الأقمشة! وضعت الموبايل على الطاولة، أغمضت عيني... وقفت أمام الدولاب، أخرجت ملابسي، كوَّمتها، أمسكت بكل قطعة، رفعتها إلى أعلى، وفي حركة دائرية ألقيت بها، استدرت وأنا أحتضن المخدة.. كالسكران قلت ببطء إن القطن المصري لا يُعلَى عليه.

من مجموعتي القصصية "مية في المية قطن" الصادرة عن دار نهضة مصر


Lying in bed, I hold the mobile, deleting all his messages with enjoyment. I discover that my room, unlike the reception, has no leak. I conjure up his face. I do not even think he wore cotton shirts. I remember a striped shirt he wore once, but its gloss appearance makes me say that there is synthetic material in it, nylon may be. I myself, all these years, have bought clothes without noticing which type of material I wear… I put the mobile phone on the table and close my eyes. Beside the closet, I get out my clothes, pile them up, hold each piece and throw it up in a circular movement. I turn to hug the pillow. Like a drunkard, I say that nothing compares to the Egyptian cotton.

From my second collection of stories, Cotton 100%, recently published by Dar Nahdet Misr, Cairo 2011.


الشكر لـ:

أ. أمل زكي

أ. سامح سمير

أ. شريف عبد المجيد

أ. طارق الطاهر

د. محمد محمد زاهر

د. نهلة ناجي توفيق


Sunday, 20 February 2011

بعد مائة عام من الدولة المدنية… جدل المادة الثانية من الدستور

شيماء زاهر

تعود ملامح الحياة المدنية في مصر إلى عام 1882 عندما قام الخديوي توفيق بإصدار أول دستور للبلاد يُمكّن مجلس النظار من رقابة الحكومة؛ لكن قوات الاحتلال ما لبثت أن ألغته ليستمر كفاح المصريين لدولة مستقلة ذات سيادة. دستور 1923 جاء تتويجا لثورة 1919 التي رفعت شعار “الدين لله والوطن للجميع”، في مارس 1924 انعقد أول دستور مصري بموجب دستور 23 الذي استمر العمل به قرابة العشرين عاما. مع قيام الجمهورية، في عام 1952، صدرت عدة دساتير: عام 1953 ؛ 1956 ؛ دستور الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958. دستور 71 كان بمثابة الضيغة النهائية للدستور الحالي، أجريت تعديلات عليه في عام 1980؛ عام 2005 وعام 2007. في الخامس والعشرين من يناير 2011، اندلعت ثورة “اللوتس” التي نتج عنها تنحي رئيس الجمهورية وتعطيل العمل بالدستور. طوال أيام الثورة الثمانية عشر ، كان الثوار يعزفون على ذات النغمة: دولة مدنية تعيد الكرامة للمواطن المصري وتحقق العدل والمساواة. المادة الثانية من الدستور ظلت مع ذلك الأكثر جدلا بين المؤيد على إبقائها والمعارض.

الطرف الأول في هذا الجدل، المؤيدون لإبقاء المادة التي تنص على أن الإسلام “الدين الرسمي للدولة”، يرون في وجود المادة تمثيلا طبيعيا لفكرة “الكوتة” أو الأغلبية المسلمة في مقابل الأقلية المسيحية؛ مما يستتبع –من وجهة نظرهم- إعلاء الهوية الإسلامية. في “الفيس بوك” وفي النقاشات الحية تتطرق وجهة النظر المؤيدة دائما إلى المقارنة بين وضع الأقليات في مصر، وخارج مصر، تحديدا في العالم الغربي. فوضع المسيحيين في مصر لا يمكن أن يقارن بأية حال مع وضع المسلمين في العالم الغربي الذي يصل إلى حد الرفض في بعض الحالات؛ الاستفتاء الذي أقيم في السويد لبناء المساجد مثلا ، أو الأزمة الأخيرة لبناء مسجد في الولايات المتحدة الأمريكية ما هي إلا أمثلة واضحة على الوضع الجيد الذي تتمتع به الأقليات في مصر. على الرغم من وجاهة تلك الأمثلة، إلا أن وجهة النظر هنا، يشوبها خلط كبير إذا ما أمعنا النظر.

فعلى الرغم من أن قليلين قد يختلفون حول ملامح التمييز ضد المسلمين في الغرب، إلا إنه لا يمكن بأية حال المساواة بين الحالتين؛ فالمسيحيين في مصر -على العكس من المسلمين في الغرب – جزء من نسيج البلد، بحكم اللغة المشتركة والثقافة المشتركة والتاريخ. فالدين المسيحي ظهر في مصر في منتصف القرن الأول الميلادي؛ في عام 325 ميلادية، أعلنت المسيحية عقيدة رسمية للإمبراطورية الرومانية، إلا أن المصريين تعرضوا للاضطهاد من قبل الإمبراطورية الرومانية التي حاولت أن تنزع عن الكنيسة القبطية دورها الرائد في العالم المسيحي، فقامت بعزل بابا الإسكندرية وتعيين بطريرك روماني يدعى “المقوقس”. عندما فتح العرب مصر في القرن السابع الميلادي كان “المقوقس” معينا من قبل روما أما البابا المصري فقد كان منفيا وهاربا في الأديرة الصحراوية ولم يرجع إلي منصبه إلا بعد خروج “المقوقس”.

دخول الفتح الإسلامي كان صفحة أخرى من تاريخ مصر، إلا إنه من سمات العبقرية المصرية إنها قادرة دائما على مزج الحضارات بها والإضافة عليها، أحد الأمثلة هنا اللغة: فكما طور المصريون اللغة القبطية، مزيجا من اليونانية والديموطيقية، جاءت العامية المصرية مزيجا من القبطية و العربية الفصحى ، تجد مئات الأمثلة على ذلك في العامية المصرية؛ “يوحا” على سبيل المثال التي نستخدمها في شهر رمضان الكريم تعني بالقبطية “القمر”. بالنظر إلى ما سبق ، لا يمكن النظر إلى المسيحية باعتبارها دين الأقلية، فالتاريخ المسيحي ساهم في الشخصية المصرية مثلما ساهم التاريخ الإسلامي ؛ ولا أدل على ذلك من لفظة “قبطي”- المشتقة من كلمة يونانية بنفس النطق- وتعني المصري.

قراءة بعض صفحات التاريخ الإسلامي تؤكد بدورها أن مبدأ إعلاء الهوية لم يكن واردا كهدف استراتيجي إذا ما جاز التعبير؛ فالرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) لو كان مقتنعا بهذا المبدأ، لما ارتضى عليه الصلاة والسلام أن يضع المسلمون تحت أمرة حاكم مسيحي في الهجرة الأولى إلى الحبشة. في تاريخ مصر الحديث، كانت الهوية في فترات الازدهار، “مصرية” خالصة لا تخضع لحسابات الأغلبية والأقلية العددية. دستور 1923 لم يشر إلى أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، بل أقر على أن “المصريين لدى القانون سواء. وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدين”. وما جاء في الخمسينات من روح التسامح كان امتدادا لمبدأ المواطنة الذي أرسته ثورة 1919.

بعد قرابة مائة عام من تحقق الدولة المدنية في مصر، لقى عشرات الشهداء نحبهم في شوارع “التحرير” وهم يحلمون بدولة تعيد الكرامة والعدل والمساواة إلى مواطنيها، ولا أظن أن الدعوة لإعادة النظر في المادة الثانية من الدستور المصري تكون شيئا آخر سوى التحيز للحق والخير، ذات المبادئ التي يمثل الشهداء رمزا حيا لها وإن فارقونا.

البديل، 18 فبراير، 2011
يتم تحديث المدونة أسبوعيا...تابعونا :)