
عرفت أيضا إنه معيد في كلية الآداب ، جامعة القاهرة، ثم توالت الاكتشافات بعد ذلك! شاعر للعامية...أب لطفلة جميلة تدعى "حنين"...له بعض التجارب المسرحية...مذيع في ردايو بص وطل...وفوق كل ذلك إنسان جدع لا يتلون وجهه مع الزمن ولا حين تأتيه السماء ببعض قطرات المطر!
لكل هذه الأسباب، كان بداخلي شعور كامل بالرضا وأنا استلم ديوان أحمد عمار الأول! جربت هذا الشعور مرة واحدة من قبل...أن تدون ما تكتبه على أوراق نتيجة أو حتى ورق أبيض نظيف مسطر، فتجده أمام عينك كتاب محترم بغلاف لميع، وأسمك عليه كده مرة واحدة! وأما بقى أن يكون أسم الديوان هو نفسه أسم طفلة جميلة تعرفها جيدا تدعى "حنين" - وترى صورتها على الغلاف أيضا- فإن ذلك يكون مدعاة لشعور مضاعف من الفرح!
ينقسم الديوان إلى ستة أجزاء: "حالات"، "وطن"، "طريق"، "غناوي"، "حنين" ، "كلمات أبي"؛ في كل جزء يعزف الشاعر على ألحان إنسانية متنوعة ، فكما يكشف لنا عنوان الجزء الأول "حالات"، يتناول أحمد عمار حالات من المشاعر الإنسانية -المتناقضة أحيانا- التي تتملكنا جميعا مثل الغربة تجاه الحياة، إلى عشقها إلى الحنين إلى ذكريات الماضي وإن كانت شجية؛ وفي الجزء الثاني "وطن" يعبر أحمد عمار عن أزمة جيل أصبح الوطن يمثل له مجموعة مركبة من المشاعر الإنسانية من عشق ترابه والتغني له، إلى الشعور بالإنهزام و الخيبة لأنه في بعض الأحيان حب من طرف واحد تتحد الظروف الخارجية ضده:
"أبويا قال لي من زمن...
ثلاثين سنة...خمسين سنة...
كان عندنا...
ف بلدنا دي ديك فصيح...
بيقوم يصيح...
ويخلي كل الناس تقوم...تصحى..تفوق
ويخلي كل ديوك جيرانا تنتفض تطلع تصيح...
لكنه يا خسارة سكت...
قصدي اتخرس..."
وفي الجزئين الثالث والرابع يتغير عزف الألحان قليلا ، وتحس كأنك في حفل صوفي وعلى نغمات الرق طيب، تستمع إلى أحمد عمار وهو يعبر عن حب الحبيبة تارة و حب الرسول (صلى الله عليه وسلم):
"عاشق هواك...
أنا نفسي أنول دايما رضاك...
وأسير على الدرب...الطريق..
يحلا ما دمت رفيق خطاك...
واطلع لفوق عند القمر...
إللي إنت نورك يا نبي غطى عليه...
ومعاك هيحلو السهر...
ما هو نور جمالك يا نبي حببني فيه..."
ومن الجو الصوفي في الجزء الثالث، إلى عزف الناي الحزين في الجزء الخامس، فينطلق الشاعر من الحاضر ويستدعي الماضي بكل ما فيه من حكايات أسطورية ومشاعر من البراءة والصدق سرعان ما يهزمها الواقع!
في يوم جات لي "حنين" بنتي
وسألتني
قالت لي: يا بابا إيه ممكن تحاف منه
سرحت بعيد
لقيتني باخاف من الضلمة
من العتمة
من الكلب إللي ينبح في حوارينا
من الغولة
من إللي رجله مسلوخة
مقشة ساحرة شريرة
مراة الأب ف الحواديت
وحداية بتاكل عندنا الكتاكيت
وديب يعوي
لقيتني باخاف من الغربة
من الوحدة
من الحرمان
من القسوة
من الأحزان
وهزتني إيدين بنتي بكل حنان
قالت لي يا بابا إيه ممكن نحاف منه
بعزم ما فيّ قلت: الله
ما هو القاهر الجبار
وهو الغافر التواب
وعين بنتي كانت عارفة إن أنا كداب!!
وإذا كان الديوان يستدعي بداخلك كل المعاني التي نفتقدها في الواقع من حب الحياة، وحب الوطن والأهل ، فإن الجزء السادس يبدو متسقا مع ما يطرحه الديوان فيقدم الشاعر قصائد لوالده "عادل عمار" ويهديها له.
وأخيرا تتبادر الأسئلة إلى ذهني بعضها لها علاقة مباشرة بالديوان والبعض الآخر خارجا عنه: فبعيدا عن رؤية الشاعر، لماذا يتملكنا جميعا الحنين إلى الماضي؟ هل لأنها طريقة "مريحة" للهروب من الواقع المتشح بالسواد؟ أم أن الواقع بالفعل يستحيل تغييره ويصبح الحنين إذن لحنا حبيبا نستدعيه ونغنيه ونردده؟ ولماذا الكتابة بالعامية مع إن الشاعر معيد قد الدنيا في تخصص اللغة العربية؟ هل يتسق ذلك مع دعوته الضمنية بأن نعيش الحياة كما هي بكل ما فيها من مشاعر إنكسار و أمل و عشق، أم أنه اختار لأسباب تسويقية بحته أن يكتب باللغة الأقرب إلينا ؟ وماذا عن مشاعر الفرح في القصيدة؟ وهل يكون الحنين أيضا إلى الفرح، كما يكون إلى الشجن؟ ولماذا اختار أحمد عمار أن يسجل قصائده بصوته في السي دي المرفق مع الكتاب؟ وهل نتوقع من الشاعر المزيد من المشاعر المركبة داخل القصيدة في الدواوين التالية ؟ أسئلة أحب أن نتبادل فيها الأفكار سويا...
الديوان صدر عن دار ليلى للنشر، وسيكون متواجد في جناح دار ليلى في معرض الكتاب بعد أيام
وأخيرا إلى قراء مدونتي الأعزاء، صباحكم حنين...صباحكم جميعا فل وياسمين...





