Sunday, 26 September 2010

ألف ليلة وليلة ..5

القصة بدأت على هذا النحو: كنت كلما تصفحت "الثقافة الجديدة"، يظهر أمامي ما يفيد بأن جائزة مسابقة الشهر كتاب ألف ليلة وليلة؛ فكرت في الاشتراك في المسابقة، لكني كنت اكتب في المجلة في ذلك الوقت، ولم ترق لي الفكرة. الدعوى لمصادرة ألف ليلة كانت تدفعني للحصول عليها. في ظهيرة ذات يوم، قررت أن أذهب لهيئة قصور الثقافة، أخذت العربية، سرت من منطقة الجامعة (حيث كنت أسكن) إلى كوبري الجامعة وشارع القصر العيني، وصلت إلى حديقة دار العلوم، الشارع كان مزدحما. تركت المفتاح للسايس، نزلت بسرعة دون ان أهتم بإغلاق الباب.

سيدات يغلقن المدخل، سيدة تنادي أسماء.. لوسمحتِ يا أستاذة، لوسمحتِ يا أستاذة.. مررت، على السلم سألت شاب عن الهيئة، صعدت الدرج، في السطح احترت أين أتجه، عبرت ممرا، ذكرني عبور الممرات بفيلم البريء، دخلت الكشك، خرجت منه وفي يدي كتابان، طوال الطريق إلى البيت، كنت ألوم نفسي.. كان لابد أن اعرف أن النسخ نفذت، على اعتبار أنها نزلت للجمهور من الأساس.

بعدها بأيام جاء إميل من السفارة الأمريكية يفيد بالموافقة النهائية على سفري من حكومة الولايات المتحدة. فكرت أني بحاجة إلى ملابس تعبر عن الثقافة التي أتيت منها، رحت كرداسة ذات مساء بصحبة والدتي، شفت جلاليب بديعة، أشكال وألوان، لكنني ترددت في الشراء، أنا لا ارتدي جلاليب، ولا أجدها فكرة صائبة أن أرتدي هناك شيئا لا أرتديه في بلدي.

ألف ليلة وليلة. تذكرت إني كنت قد لمحت بنطلون واسع (بأستك من تحت) في فترينة في محل في وسط البلد، بجوار "سينما ميامي" ، رحت هناك ولم أجد المحل، وقفت اتذكر إن كان المحل في شارع آخر، سألني رجل إن كنت تائهة، عاوزة الشارع إللي فيه محلات الهدوم، وسط البلد كلها محلات، أيوة أقصد الشارع إللي قريب من السينما، عبد الخالق ثروت؟ رفعت بصري إلى البيوت، آه. في كل محل، كنت أسال البائعة (اختصارا للوقت) عن بنطلون واسع، (بأستك من تحت) زي في "ألف ليلة". في شارع محمد فريد أحضرت لي البائعة شيئا شبيها، ساقان واسعان تنضمان عند القدم، تذكرت إني رأيته في متحف للسلاطين العثمانين، قلت لنفسي إنه أشبه بلبس الصيادين، تفحصت بعين خيالي زي راقصات البالية في عرض أوبرا "ألف ليلة" الذي حضرته منذ عامين، أعدته إليها.

مادمت لم أجده في وسط البلد، فلن أجده في مكان آخر. ظل وجهي على الفاترينات و المانيكانات التي تتحرك أمامي أصبحا جزءا من الديكور في عقلي، يا أخونا أنا فزت في مسابقة، والبنطلون ده مهم. لفت نظري مانيكان في محل، كانت ترتدي جيبة كاروه قصيرة، اليد اليسرى في وسطها، اليمنى مفرودة، كؤشر بصلة ناحية الشرق، تدير رأسها ناحية اليسار في تعالي

في البيت أذهلني منظر التسريحة، على المرآة خط أسود من قلم كحل، نقاط بلون روز تسيل على زجاجة كريم الأساس، "حلق" اشتريته من كرداسة يشتبك مع عقد من الخرز، "حلق" آخر لا أجد فردته، براية مكياج متسخة، رفعت العقد لأعلى، لو حدث لك شيء فلن أسامح نفسي، أنت هدية أبي لأمي من أيام الخطوبة، وضعت العقد في ظرف صغير وجدته أمامي، حاولت فض الاشتباك بين الأشياء على التسريحة، تأملت ملامح وجهي في المرآة، سأستكمل الرحلة غدا، من قلب ميدان التحرير، من قصر النيل.

أقف الآن أمام "هيومانا بيلدنج"، في زي ألف ليلة الذي اخترعته، جدران من الجرانيت عليها عمدان، على قمتها مشاعل، كما لو كنت في معبد، تنحدر المياة على الجدران، يباعد الصوت بيني وبين كلام الرجل الذي يشرح المبنى. اقتربت منه. في الدور التاسع والثلاثين، تميل العمدان أمامي، يصدق الإحساس بإني في معبد مصري قديم. يستلهم "مايكل جريفز" الهرم والمعبد من الحضارة المصرية.

في "سي 22" تستوقفني تماثيل لصبيان سمراء، لوحة لسيدتين عاريتين يمسكان بطفل عاري، تشكيل من المعدن يتدلى من السقف، مررت على شاشة، رأيتني بها، الكلمات تنزل بسرعة من أعلى إلى أسفل، إذا ما حركت ساعدي، تتحرك الكلمات ببطيء باتجاه راحة يدي، صرت أحملها في يدي كعصفور.

من حولي أشجار كثيفة، مستطيلات بيضاء تتبرز من الأرض، بين كل مستطيل وآخر مسافة ثابتة، تصنع المستطيلات دوائر كقوس قزح. نمر من البوابة، بين اللحد والآخر تماثيل لأطفال عارية ومثلات فرعونية. وقفت آخذ صورة. كنت أرتدي بلوزة وجينز. كان واضحا إني زهدت زي "ألف ليلة" الذي أخذت وقتا في مصر أبحث عنه. فلم ارتده هناك بعد ذلك. لا أعرف حقيقة السبب، و لا أجد فارقا كبيرا إن وجدت تفسيرا.

Saturday, 18 September 2010

أنت كويس...4


الحياة الدنيا والحياة الأخرى والحياة الثقافية. أسمع المصطلح الأخير منذ عام 2005 ، عندما كنت أذهب للندوات بحكم عملي محررة في موقع إلكتروني. كنت غرة ساذجة اتصور أن النقد عملوه بالأساس عشان تستمع أكثر بالعمل الأدبي. لكن الحياة بتعلم. في بعض الأحيان، كان يحدث الآتي: ادخل الغرفة، اجلس على الكرسي بوجه باش (وليه لأ؟) يتحول مع العشر دقائق الأولى إلى وجه فتاة يسير نمل على ساقيها. الناقد الذي يتحدث الفصحى يبدأ باستعراض تاريخ النقد، يلقي الضوء على التفكيكية ومابعد التفكيكية والحداثية وما بعد الحداتية، يرفع ساعده ويخفضه، يميل بصدره إلى الأمام ، يتكلم عن رؤى الكاتب وإرهاصاته. يفكك النص، يبدي ملامح الإعجاب، يصمت لحظة تتبعها لكن لكن... الكاتب بدا شوفينيا في عالمه ولم يتشابك مع الواقع، مما يجعل النص حركة جذر مدي (مع لمحة تأفف على الوجه). بعدها يدعو الناقد الأول الناقد الثاني للكلام، الذي يثني بدوره على كلام أستاذنا ، الناقد الأول، يقول إن الكاتب استطاع أن يمسك بتلابيب النص، ويرى إنه على العكس، على العكس، فالنص وإن كان لا يتشابك مع الواقع فهو يتماس معه ، وهو ما يجعل حركة السرد فيه أقرب إلى المد الجذري، منه إلى الجذر المدي (مع نظرة ساهمة تدعوك إلى التفكير فيما يقول).

بعدها يجتمع الناقد الأول، أستاذنا ، والناقد الثاني أن الكاتب بلا أدنى شك لبنة هامة وحجر زاوية. أقضي تلك السويعات القليلة في تأمل الأسقف والحوائط و إزاحة دخان السجائر و كتابة ما تيسر. لاحظت في تلك الندوات أن مصطلحين يتكرران؛ فالكاتب الحداثي كويس، لكن ما بعد الحداثي شيئ آخر، شديد المراس، عميق، تتداخل الرؤى في نصه، ببساطة شديدة (وببساطة أكثر) هو يقف في مرحلة فاصلة ما بين المد الجذري والجذر المدي، ويبدو مهموما بالسرد أكثر من السرد ذاته، ينأى عن المفهوم الكلاسّي (مع خبطة على الطاولة) تجاه أطروحات ما بعد حداثية.

كنت أجلس في الغرفة مع سبع عشرة آخرين من بلدان مختلفة؛ رائحة القهوة تتسيد المشهد. تصب قطرات القهوة في الدورق؛ على السطح المعدني دورق آخر به ماء. كنت مأخوذة بأني سافهم شيئا كان أشبه بلغز في ما مضي و نزول قطرات القهوة في الدورق بدا شيئا يصعب عليّ وصفه. شيئ ملهم. الفراشات كانت تدور حول خلجات نفسي، تمسك بها، ترفعها إلى أعلى، الهواء البارد خلف ظهري صار بساطا، كنت ارتدي فستانا، يكشف عن ساقي، بالأسفل كانت هناك فتاة تشبهني، تتطلع إليّ، في ذات الوقت الذي جلس فيه الدكتور "بايرز" على الطاولة، فتحت الكشكول، أزاحت "فيرونيكا" الأكلسير إلى جانبها، لتتيح لي مساحة أكبر للكتابة، أعجبتني الحركة، أشياء صغيرة قد تصنع فارفا في لحظة ما، إيمائة من شخص لا يعرف عنك الكثير قد تصبح إشارة سماوية، يد تطبطب عليك. تقول لك إنت كويس.

يقول دكتور "بايرز" إن الانتقال من مكان إلى آخر سمة "ما بعد الحداثة"، أشار إلى خريطة الولايات المتحدة ، أنا مثلا نشأت في ولاية، تعلمت في ولاية ، واعمل الآن في ولاية. فيما بعد، سأقف على تل، ادير ظهري لجدول ماء في الصحراء؛ تحت الأرض، ستتسع الممرات، وتضيق، أشعر بالشجن عند انتهائها. أنا أعيش في القاهرة وأعمل في الفيوم، ولا أحد يعرف موقف الفيوم إلا من جربه؛ ورحت تركيا، وحدي، وركبت ثلاث طائرات حتى آتي إلى هنا. أنا كمان بوست موديرنيست. أبعدت الكشكول عن "فيرونيكا". آل جهاز القهوة إلى الصمت.

Friday, 10 September 2010

3...يا جماعة أنا إنسان بسيط


بين مصر وأمريكا أميال: فارق اللغة والناس والشوارع وإشارات المرور. فارق اللغة كان مربكا في البداية، غيامة في يوم كنت أنوي الخروج فيه، سحابة على عيني في الصباح، شخص يمر وأنا أشاهد التليفزيون، وبداية يا جماعة أنا شخص بسيط، تعودت على أن أستمع لأسئلة واضحة، السؤال عادة يبدأ بأداة استفهام، وبه نبرة تحل مكان علامة الاستفهام، تصاحبها ملامح تتطلع إليك في إنتظار الإجابة. اختصرت المضيفة السؤال في كلمة واحدة أصلها من مقطعين "بي ناتس"، قلت"عفوا؟" أول استفتاح مع شخص يتحدث الإنجليزية في بلده الأم يمر بصعوبة، كيف يمكني أن أقدم نفسي للطلبة بعد ذلك على إني مدرسة للغة الإنجليزية، حملت الكيس في يدي، جاءني الإلهام على وجه طفل يبكي في المقعد المجاور، في مصر الطيران لا يوزعون فول سوداني ، لا اذكر إنهم وزعوا فول سوداني عندما سافرت مع أخي إلى "الغردقة" و"شرم الشيخ"، اختلاف ثقافات ، فتحت الكيس، تابعت السيدة تسأل نفس السؤال للمقعد التالي.

السمع. طبلة الأذن تلتقط الموجات الصوتية، ترسل إشارات إلى المخ ، تتحول إلى صوت، والصوت إلى معنى، شيء مدهش، منحة آلهية، أدركت قيمتها منذ يومي الأول، شيء ما ينكسر في تلك الحلقة، تسقط بعض الكلمات مثل كرات "بنج بونج" لا تكمل وجهتها، أسمع ضجيجها في رأسي، في مصر الموجات عالية يسهل تفسيرها، أصوات رفيعة و غليظة تصبح خناقة بين رجل وامرأه في مكان عام، سرينة تعني إن صوتا سيطلب منك أن تفسح الطريق، القاهرة مدينة صوتها يدوي ويجلجل، كرة طائرة في الهواء، يجري اللاعب منهم ، يضبط توازن جسده ، يدفع الكرة بقدمه، تلمحها، تجري وراءها، تدفع جسدك في الهواء، تلقيها برأسك على الأرض، ترقص الخِصم، تدفع الكرة من جديد. كرة القدم لعبة بطيئة مقارنة بلعبة مثل "البنج بونج"، الإستجابة فيها سريعة لدرجة تدعو إلى الملل.

توجهت إلى صالة "الجيم"، قالت لي أمي ذات مرة أن عليّ أن أسير ببطيء حتى لا تهتز مؤخرتي؛ بعدها قررت الذهاب إلى حصة الرياضة، مرة واحدة في الأسبوع لا تكفي. لكنها كانت تكفي من ناحية آخرى، اصطدام قدماي بالحديد على المشاية لبعض الوقت يجعل لي القدرة على التحليق، تتحرك عضلات جسدي كما تشاء، تدريجيا انقسم إلى شرائح كما لو كنت مجسم؛ تتكشف الشرائح الواحدة تلو الأخرى، في المركز، آراني بخار، اطير خارج المكان. والمكان يختلف هنا؛ أشجار كما في كرسات ابنة أخي ملونة بالفلوماستر، وزرار مثبت في فرع شجرة، أدوس عليه لعبور الشارع، لا إشارة بيدي لسائق ميكروباص، ولا عسكري مرور اتحامى في ظله، كلام على كبير، ادوس على الزرار، اسمع دقات خافتة كما لو أن صوت معدية قطار تم تصغيره عشرات المرات، بعدها يأتي صوت رجل يقول إن بإمكاني العبور. رأيت وأنا صغيرة، فيلم تحول أبطاله إلى أقزام، الكائنات الصغيرة في الماضي صارت تهددهم، في المشهد الأخير يفيقون من الحلم، هاها، اشتغالة. لكن والله أنا أعيد النظر في رأيي الآن ، نمت وصحوت ست عشرة ساعة ، لأجد نفسي في مكان غير مكان، ويا جماعة (معلش تاني) أنا شخص بسيط، تعود أن يجري أحيانا وهو يعبر الشارع، يقف طويلا أحيانا، تروح روحه وتجيئ أحيانا بينما الميكروباص يسرع نحوه في عرض الشارع؛ أما الكف الأحمر الذي يظهر لي في الإشارة ضوئية، فكنت أراه أشبه بعلامة عند الصوفية، رمز في رواية من روايات "دان براون"، وحنروح بعيد عليه؟ إيشارب في فيديو كليب تسعيني، يطير على أجساد فتيات ببشرة "أوكسديه".

الشعور بـأن للشجر و السحاب عيون وأنف و مركز إحساس ظل يلازمني حتى عدت إلى "كورس هول" ، تركت تلك الخيالات وأنا أمرر المفتاح الإلكتروني على الجهاز، دخلت غرفتي ، تأملت الأشياء الصامتة حولي، التليفون وجهاز القهوة، اشعلت التكييف ، فتحت الأكالسير الموضوع على المكتب؛ كنت استعد لفهم شيء آخر حيرني طويلا.

Saturday, 4 September 2010

لويفل ...2


وصلت إلى مطار "نيويورك" في السادسة والنصف بعد إحدى عشرة ساعة، قضيتها بين سماع الأغاني و قراءة مقالات علينا قراءتها. بين الصحو والنوم كنت افتح شباك الطائرة فلا أرى سوى الظلام؛ على أرض مطار "نيويوك"، تصورت مصر الكرة الأرضية التي أراها صغيرة و أنا سابحة في الطريق اللبني. ربما لهذا السبب، لم اشارك الواقفين في الطابور المؤدي إلى باب الطائرة، في حالتي تلك، بدا الزحام للنزول مبكرا شيئا تافها، لا داعي له. ادركت سخف ما فعلته، في منطقة "الجوازات"، الساعة تشير إلى السابعة إلا الربع، أقف في نهاية الصف؛ الطائرة التالية في التاسعة. الطابور يتحرك ببطئ ، وإن استمر الحال على هذا النحو، فلن انتهي من الإجراءات قبل ساعة، قررت أن أقف عشرة دقائق أخرى، أخرجت نسخة من التذكرة، في استعداد أن أخاطب الشرطية التي تقف عن بعد، لو كنت في مصر، لساعدني الواقفين للوصول إليها، ولتم استثنائي منه، جلست الفتاة التي تقف في الطابور التالي على الأرض، أخرجت الـ"إم بي ثري" من حقيبتها، وضعت السماعات في أذنها في استرخاء، كان في رأسي بعض التصورات، خمس دقائق أخرى، وساخترق جموع الواقفين ، اعرف أنه لن يكون فأل حسن أن أستقبل الولايات المتحدة بالبكاء أمام الشعوب التي تقف أمامي الآن، لكن للضرورة أحكام.


شعرت بالارتياح لأن الشرطية كانت أفرو أمريكان؛ فكرت أن التفاهم معها سيكون أسهل بعد خمس دقائق من الآن. كنت ممتنة للفتاة "الأفرو أمريكان" التي اجرت معي "الأنترفيو" في السفارة الأمريكية؛ والواحد أحيانا يحب طائفة بأكملها أو يكرهها بسبب صدفة أو حادثة؛ الأهم من ذلك إنها ذكرتني بالناس في مصر، كإني اقف في الأقصر مثلا، وهؤلاء سواح ينتظرون دخولهم إلى "الكرنك".يبدو أن الأرض ستكون حاضرة أينما ذهبت؛ ولا راد لقضاء الله.



مرت عدة دقائق.أزاحت السيدة الشريط الأسود هذه المرة لكي تطلب من مجموعة من الأشخاص التوجة إلى كبائن أخرى، تبدد الواقفون على دفعات كما لو كنت في فيلم كرتون، الساحر أخذهم إلى مكان ما، في الخلفية تلتمع النجوم ، شرائح من الأزرق و الأخضر والأسود تظهر وتختفي، وقفت أمام جهاز البصمات، رأيته في المرة الأولى في السفارة الأمريكية وقت مقابلة "الفيزا"؛ البصمات بالنسبة لي تعني رجل يجلس على مكتب، يضغط على أصبعي أول ما يلمس الحبارة، يحدث ذلك عادة في مناسبات يحدوها التفائل؛ عندما استخرجت فيش وتشبيه وقت التعيين في الجامعة أو عند استفتاء تعديل الدستور قبل أعوام. دخلت شيء ما يشبه الكابينة عليها "ستارة سوداء" ، كانت المرة الأولى التي اشارك فيها في استفتاء، في ذلك الوقت، كانت الأغاني الوطنية تذاع على القنوات المحلية بمعدل مرة كل ربع ساعة، جميلة تلك الأغاني، بالأخص أغنية مي سليم، التي تنادي فيها على "جرجس" و"محمد"، كانت تضرب حسي الوطني في الصميم، ترفعني فوق فوق، كان من الممكن وقتها أن تغرورق عيني بالدموع لأقل سبب، مددت يدي بالورقة للرجل في اعتزاز، قابلني بنظرة ملولة، كإنه يراقب الطلاب في الامتحان وأنا الطالبة الوحيدة التي لم تخرج من اللجنة.وضعت أربعة أصابع على لوح شفاف يميل إلى الاخضرار، طلبت مني السيدة إعادة المحاولة، في لحظات كتلك، تصبح اللغة كائنا لا فائدة منه، الملامح كذلك، لا تشي إلا بالقليل، كإني اقف أمام عربة تتوالى عليها الفرشاة من ناحينين، الألوان تكون واضحة للوهلة الأولى ، تتحول إلى اللون أبيض، أنا متأخرة على الطائرة.



وصلت إلى مطار"لويفل" في الواحدة والنصف ظهرا، صعدت بسلم كهربائي إلى مكان استلام الأمتعة، كان معي حقيبة يدي، أحذت الحقيبة الأخرى من على السير، أخذت وضع الاستعداد على السلم الكهربائي الذي يصعد بي، شاهدت الحقيبتين تمران على السنون المعدنية في أول السلم، علامة أخيرة على وصولي. وضعت الحقيبتين على الجانب، خاطبت السيدة في الاستعلامات، كانت عجوز أنيقة، أنا قادمة من مصر، (وهل بإمكاني أن أنكر مثلا) و أريد أن أكلم جامعة "لويفل" في التليفون، بدا ملامح الإندهاش على وجه السيدة، الأهرامات؟ نعم، ابتسمت، لابد أنك أخذتي طريق طويل حتى تصلي، نعم، ثلاث طائرات، كان هناك تليفونات على يساري، يعلوها لوحة إرشادات، ارتحت إنها طلبت لي الرقم، انتظرت عشر دقائق، قضيتها في قراءة رواية كانت معي، فتح الأبواب الإلكترونية استدعي لي الشعور بالخدر، كإني أجلس على حافة حمام سباحة، اطيل النظر إلى المياة الرقراقة، أسال نفسي إن كنت سأجيد العوم بعد قليل.



يتم تحديث المدونة أسبوعيا...تابعونا :)